quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

نقد الخطاب الديني - نصر حامد أبو زيد

63 التحميلات

نقد الخطاب الديني - نصر حامد أبو زيد

يتكون كتاب «نقد الخطاب الديني» من ثلاثة فصول كُرست كلها عن آليات الخطاب الديني المعاصر، والتي تحكم منطقه الداخلي، ويفرق الكاتب بين «"الدين" و"الفكر الديني"، فالدين هو ما تمثله في الإسلام مثلا مجموعة النصوص المقدسة التي ثبتت صحتها تاريخيا (القرآن والسنة). أما الفكر الديني فهو «الاجتهادات البشرية» التي بذلت من أجل الوصول إلى فهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها. 

وبما أن الاجتهادات تختلف من عصر إلى عصر ومن دارس إلى آخر نتيجة اختلاف البيئة والواقع الاجتماعي والتاريخي فإن ذلك مدعاة إلى الإقرار بشرعية تعدد القراءات، وبالتالي، فإن ما يحكم هذه القراءة أو تلك هو السياق العام لزمن القراءة، مما يسمح بالقول إن النصوص الدينية مشرعة على عدة قراءات قد تلتقي أو تختلف فيما بينها، ولكنها قابلة للنقد والتقويم. 

وإذا كان هذا يمثل جوهر الفكر النهضوي الذي قاده الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم من رواد عصر النهضة، فإن الخطاب الديني استطاع أن يخفي «حقيقة» الاختلاف ويرسي أسس "إطلاقية" فكرية تقترب في اعتبارها ودورها في المجتمع من الدور الذي تنهض به النصوص المقدسة، وإذ يتقاطع في الخطاب الديني ما هو سياسي بما هو ديني فإن "المد الإسلامي" الذي تعرفه البلاد العربية منذ التسعينيات قائم على استغلال هذا اللبس بين الدين من جهة والخطاب الديني من جهة ثانية كي يحقق أهدافا "دنيوية" لا علاقة لها بالدين. 

تعتمد دراسة نصر حامد أبو زيد في "نقد الخطاب الديني" على كل المجالات التي تشكل موضوع ذلك الخطاب، وهذا التحديد أتى على التمييز، الذي غالبا ما يلجأ إليه رجال السياسة بين إسلام سياسي متطرف وإسلام سياسي معتدل، ويوضح الكتاب كيف أن الاختلاف بين الاثنين هو اختلاف في الدرجة لا في النوع، فلا خلاف بينهما في المنطلقات الفكرية والآليات المستعملة في قراءة "النص". 

ويرمي الكاتب من وراء هذه الملاحظة إلى القول إن الخطاب الديني يستعمل نفس الآليات بغض النظر عن كونه معتدلًا، أو متطرفا، ويحدد أهم تلك الآليات في الخلط بين الفكر والدين، الذي يؤدي إلى إلغاء المسافة بين الذات والموضوع، وفي تفسير كل الظواهر على اختلافها بردها إلى علة واحدة، وفي الاعتماد على السلف والتراث وقلب تراتبية المرجعيات المعتمدة بشكل يصبح فيه ما هو أساسي ثانويا وما هو ثانوي رئيسيا، وفي رفض أي خلاف فكري باعتماد القطعية في الأحكام، وفي تجاهل البعد التاريخي بالحنين والاستشهاد في جميع الأحوال بالعصر الذهبي للخلافة الراشدة. 

من الصعب في تحليل الخطاب الديني أن نفصل بين آليات هذا الخطاب ومنطلقاته الفكرية، ولذلك فإن نصر حامد أبو زيد وهو يحلل تلك الآليات يبرز في نفس الوقت السمات الفكرية الغالبة على هذا النمط من التفكير، يظهر ذلك على سبيل المثال من خلال الآلية الأولى التي تتعلق بتوحيد الفكر والدين. 

فالخطاب الديني كما سبقت الإشارة إلى ذلك يقيم نوعا من التقاطع الذي يكاد يصل إلى حد التماهي بين النصوص الدينية وبين فهم (قراءة) تلك النصوص، ويترتب عن ذلك ادعاء ضمني بالقدرة على النفاذ إلى «جوهر» النص، أي إلى تحقيق نوع من التطابق بين النص والقراءة. وهذا من الناحية النظرية والإجرائية مستحيل لاختلاف «زمن النص» عن «زمن قراءته»، ومثل ذلك الادعاء يفهم في غالب الأحيان على أن «الفقيه» يفهم ما لا يستطيع الآخرون أن يفهموه، ويرمي من وراء ذلك إلى أنه وحده من يمتلك «الحقيقة» الدينية، مما يوقع الخطاب الديني في تناقض صارخ: فهو من جهة يسلم بأن «لا رهبانية في الإسلام»، وهو من جهة أخرى يدعي امتلاك المفاتيح السحرية للقبض على «جوهر» النص الديني. 

ومن شأن هذا كله أن يكرس مبدأ «القراءة» الواحدة للنص، مما يؤدي بطريقة أو بأخرى إلى إلغاء العقل، ويتمثل هذا الإلغاء بالخصوص في استحضار تراث «السلف الصالح»، حيث يمارس نوعا من الانتقائية تعيد النظر في التراتبية المعروفة في الإسلام: القرآن والسنة والإجماع والقياس.. وهكذا يتشكل خطاب يقيني مبني على التجريد، الذي يقصي في كل الأحوال البعد التاريخي للنص الديني، ويتجاهل سياقه الخاص.

كما يؤكد نصر حامد أبو زيد على مجموعة من المعالم لا من وضعها في الاعتبار حال اطلاعنا أو قراءتنا للخطابات الدينية من أهمها:

ـ  إن علم "تحليل الخطاب" يركز على الدلالات التي يمكن استنباطها من الأقوال، لأن تلك الدلالات تمارس تأثيرها على المتلقي سواء أكانت دلالات مقصودة أم كانت غير مقصودة.

ـ  إن عملية النصب الكبرى تلك لم يكن يمكن لها أن تتحقق دون تمهيد الأرض بخطاب يكرس الأسطورة والخرافة ويقتل العقل.

ـ  حسب طرحه لجوهر العلمانية- والذي قد يُختلف فيه معه-: "ليست في جوهرها سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين، وليست ما يروج له المبطلون من أنها الإلحاد الذي يفصل الدين عن الدولة والحياة.

ـ  من أهم مبادي الفكر العلماني أنه لا سلطان على العقل إلا العقل.

ـ  الجميع يتحدثون عن الإسلام دون أن يخامر أحدهم أدنى تردد ويدرك أن يطرح في الحقيقة فهمه هو للإسلام أو لنصوصه.

ـ  إن آلية "رد الظواهر إلى مبدأ واحد" تكاد تكون آلية فاعلة في معظم جوانب الخطاب الديني.

ـ  إن هذا الخطاب لا يتحمل أي خلاف جذري، وان اتسع صدره لبعض الخلافات الجزئية، وكيف يحتمل الاختلاف الجذري وهو يزعم امتلاكه للحقيقة الشاملة المطلقة ؟

- العلم الإلهي في حقيقته علم إنساني، بمعنى أنه يتحول إلى علم إنساني بالفهم والتأويل.

 

كان العام الدراسي 1992 في جامعة القاهرة على وشك أن ينتهي حين تقدم نصر حامد أبو زيد (1943-2010) ببحث حمل عنوان "نقد الخطاب الديني" إلى لجنة علمية مختصة لنيل درجة أستاذ في قسم اللغة العربية.

أبو زيد الذي كان يبلغ عمره نحو الخمسين، لم يكن يتخيل أن لحظة تقدمه بورقته العلمية تلك ستخلف زلزالا يقلب حياته الأكاديمية والشخصية.

يرتكز كتاب "نقد الخطاب الديني" على ثلاثة فصول؛ يتناول في الأول الخطاب الإسلامي المعاصر، والثاني التراث الديني ومحاولات تأويله، والثالث طبيعة القراءة المعاصرة للنصوص الدينية، معتمدا في قراءته الخاصة على مدخل لغوي بحت.

أمام لجنة الترقية

في الأعراف الأكاديمية يحصل الباحث على ترقياته العلمية عبر خطوات معروفة ومحددة، حيث تقدم أبو زيد ببحثه إلى لجنة من كبار الأكاديميين لتعتمده وتنشره كتابا أكاديميا يدرسه الطلبة كمقرر علمي.ويشرح أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا أحمد محمد سالم بداية اندلاع الأزمة منذ تسلمت لجنة الترقية بحث أبو زيد، وكانت مُشكَّلة من الثلاثة: عبد الصبور شاهين، ومحمد عوني عبد الرؤوف، ومحمود مكي.ويضيف أن مكي وعبد الرؤوف كتب كل منهما تقريرا يشيد بمنهجية أبو زيد، إلا أن تقرير شاهين لم يتطرق إلى منهجية البحث، بل لجأ إلى التفتيش في عقيدة أبو زيد، متهما إياه بالتشكيك في الغيبيات وتمجيد الماركسية والانتصار لرواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي.وفقا للباحث في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية محمد حلمي عبد الوهاب، فإن عبد الصبور شاهين نقد الكتاب بكثير من التعسف، وأن أهمية ما طرحه أبو زيد تكمن في أنه حتى إصدار كتابه لم يعتن أحد بتفكيك الخطاب الديني بهذه القدرة.

القرآن والوحي

أما المفكر الإسلامي محمد عمارة فيرى أن كتاب أبو زيد -بل كل مشروعه الفكري- يتحدث في الإسلاميات وفي المقدس، ويفسر الإسلام تفسيرا ترفضه المنهجية العلمية الإسلامية، مشيرا إلى أن أبو زيد يعتبر القرآن نصا بشريا شأنه شأن المعلقات الجاهلية.أحمد محمد سالم له زاوية نظر أخرى تفيد بأن السلفيين يرون الوحي رسالة السماء إلى الأرض، ولكن نصر أبو زيد -وفق مدرسة المعتزلة- يرى أن الوحي نداء السماء للأرض؛ بمعنى أن الواقع محفز لحركة الوحي.أما مناصرة سلمان رشدي ووقوف أبو زيد ضد فتوى آية الله الخميني بقتله، فإنما تعود -حسب ما يقوله محمد حلمي عبد الوهاب- لاعتقاده بحق حرية الفكر المستندة إلى أفكار المعتزلة المتعلقة بالحرية الإنسانية.إلا أن عمارة يرى أن الدفاع عن "آيات شيطانية" سبّة، وأن فتوى الخميني "التي نرفضها" لا تعني قبول الرواية التي تسيء لرموز الدين الإسلامي.

على المنابر

اندلعت المعركة حين فتح المفكر الإسلامي عبد الصبور شاهين النار على الكتاب، وذلك في خطبة جمعة على منبر مسجد عمرو بن العاص، وتوالت الخطب من آخرين.غير أن مقدمة كتاب "نقد الخطاب الديني" تشير إلى أن غضب شاهين يعود لتناول أبو زيد بالتحليل والنقد شركات توظيف الأموال، "مما ألهب عصبا مكشوفا لدى شاهين الذي وظف فكره لخدمة شركات الريان".

انتقل الكتاب إلى ساحات المحاكم، ووقف صاحبه أمام خطر لم يقفه من قبل باحث عربي وصل إلى حد إصدار المحكمة حكما شرعيا بتفريقه عن زوجته، إلا أن أبو زيد اتخذ قراره بترك مصر موليا شطر هولندا التي عينته أستاذ كرسي في جامعة ليدن.

اسم الملف: نقد الخطاب الديني - نصر حامد أبو زيد.pdf
حجم الملف: 6.64 MB
عدد الزيارات: 62 عدد الزيارات
التحميل: 63 مرة / مرات

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.